الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

347

انوار الأصول

ملاقي بعض أطراف العلم الإجمالي ، وليس كذلك . الجواب الثالث : ما أفاده بعض الأعلام وحاصله : أنّ هذا يكون في الواقع التحقيق العبائي لا الشبهة العبائية ، أي نحكم بنجاسة الملاقي لطرفي العباءة تعبّداً من باب جريان استصحاب كلّي النجاسة في العباءة ، فإنّ من آثار هذا الاستصحاب هو الحكم بنجاسة الملاقي ، ولا منافاة بين الحكم بطهارة الملاقي في سائر المقامات والحكم بنجاسته في مثل المقام ، للأصل الحاكم على الأصل الجاري في الملاقي ، فإنّ التفكيك في الأصول كثير جدّاً ، ولا تناقض في عالم التعبّد والاعتبار « 1 » . ويرد عليه أنّه لا يجوز مثل هذا التعبّد لجهتين . فأوّلًا : أنّ نجاسة الملاقي من شؤون نجاسة الملاقى ، وهو في المقام ليس نجساً لأنّ المفروض أنّ الطرف الثاني طاهر ، وملاقي الطاهر لا يتنجّس ، كما أنّ المفروض أنّه لا يحكم بنجاسة الملاقي للطرف الأوّل . وثانياً : سلّمنا أنّه لا تناقض في عالم التعبّد عقلًا ولكن الوجدان يحكم بأنّ مثل هذا التعبّد أمر عجيب جدّاً يوجب انصراف أدلّة الاستصحاب عنه بلا ريب ، وإن شئت قلت : مثل هذا التعبّد لا يمكن إثباته بمجرّد الاطلاق ، بل يحتاج إلى دليل صريح الدلالة قوي السند جدّاً . الجواب الرابع : ما هو الصحيح ، وهو أنّ مثل هذا الاستصحاب ليس من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلّي ، لأنّ استصحاب القسم الثاني عبارة عن استصحاب فرد واحد مجهول الصفات ، أي الفرد المبهم المتيقّن وجوده في الخارج ، بينما الفرد في ما نحن فيه مردّد بين فردين خارجيين ، فهو نظير ما إذا علمنا بنجاسة أحد الإنائين ثمّ علمنا بانعدام أحدهما ولا نعلم هل المعدوم هو الإناء النجس أو الإناء الطاهر ؟ فلا إشكال في عدم جواز استصحاب نجاسة كلّي أحدهما في مثل ذلك ، لتبدّل الموضوع الناشئ من انعدام أحدهما في الخارج . فإنّ المفروض في ما نحن فيه أنّ أحد الطرفين صار طاهراً قطعاً ، فتبدّل عنوان « هما » ب « هو » فليس المتيقّن نجاسة كلّي أحدهما بل المتيقّن نجاسة الفرد المردّد بين ما صار طاهراً يقيناً وبين ما هو مشكوك نجاسة ، فهو من قبيل استصحاب الفرد المردّد الذي لا إشكال في عدم

--> ( 1 ) راجع مصباح الأصول : ج 3 ، ص 113 ، طبع مطبعة النجف .